|
*
فوتوغرافيا، صورتُكَ، لـ Lew D'Souza
صحفيّة
نشيطةٌ، ومتابعة جيدة لفعاليات ثقافيّة تحدث على مستوى مدينتي، كنتُ ألتقيها بين
وقتٍ وآخر، أتحدّث معها حول مواضيع شتى، حول الوضع الثقافي السائد، عن جدوى الصحافة
المكتوبة في ظلّ وجود الإنترنت، أو حتى عن العلاقات الإنسانيّة، التي ربما تختفي
ذات يومٍ بسبب وجود الإنترنت أيضاً، والحوارات الافتراضيّة عبر الماسنجر.
هي صحفيّة جادة جداً، تشمّ موقع الفعاليات، تحاول جاهدة أن تكون في مكان الحدث،
ليبدأ قلمها بوصف الفعاليات الثقافية أو النشاطات المجتمعيّة، تسألُ، ولا تقبلُ أية
إجابةٍ، فتعيد السؤال مرّة أخرى، لتصلَ إلى ما يشفى قلمها. مثلها مثل معظم
الصحفيين، لها دفترها وأسئلتها اللامتوقعة وذهنها اليقظ المهتم بالتفاصيل.
على أي حال، هذا المقال ليس قصيدة غزلٍ في الصحفيّة النشيطة. لأن إحدى زياراتي
لمكتبها، جعلتني أشعر بالقهر، والغضب!
بعد حوارٍ –معها- حول دور التأريخ والتوثيق لنشاطات الجمعيات الأهلية في القطاع،
ذَهَبَتْ لمكتَبِها، وأخرجَتْ ملفّا ضخماً جداً. وبدأت بتقليب قصاصات الجرائد، صور
فوتوغرافيّة، صور أخرى عن صفحات لجرائد لم تستطع الاحتفاظ بها. الجميل هنا، أنها
كانت تحفظ بعضَ أسماء الشخوص في الصّور، وتقول لي عن نتائج هذه الفعاليّة. عن
مفارقات حدثت معها حين غطَّت تلك الفعاليّة، أو هذا النشاط!
وهذا شيء جيّد، لكنّ معظم تلك القصاصات من جرائدنا المحليّة الثلاث، التي تجلسُ
بهدوء وترقبٍ ليدٍ تقلبها، وتتابعُ أحداثها، معظَّمُ تلك الأحداث خلتْ من اسمِها!
الغريبُ أنّ كلّ ذلك التوثيقُ كان باسمِ صحفيّ آخر!
أشرتُ بإصبعي على اسمه، دون أن أسألها عن سبب غياب اسمها، فكادت الدمعة تطفرُ من
عينها لتغرقَ الكونَ كلّه:
همسَتْ: معظمنا يرسلُ الأخبار له، ليقوم بشطبٍ وحذفٍ للأسماء، ووضع اسمه مكان
اسمنا.
- لماذا؟
- لأنه مراسل الجريدة في المدينة. وكلّ الأخبار التي نرسلها للجريدة، تمرّ عليه
أولاً!
- لكن، لماذا تقبلي أن يحذف اسمك.
قالت، وكأنّها طعنتني: المهم الأخبار، والأحداث، والتوثيق للفعاليات. أسماؤنا يمكن
أن تأتِ لاحقاً!
لا يمكن أن تأتِ أسماءنا
لاحقاً. أسماؤنا هي نشاطاتنا، وفعالياتنا، ومقالاتنا، وكلُّ شيء نقوم به. الذي
آلمني جداً، كيف يحقُّ لشخصٍ مهما كان منصبه الإداري، أن يحذف اسماً لشخصٍ آخر، كيف
يحقّ له أن يصادر جهده، وينسبه لنفسه. كيف يستطيعُ –لاحقاً- أن ينظرَ لجهدِ الآخرين
منسوباً له!
هذه الأفعال الحادثة بشكلٍ كبير، وبصورٍ مختلفةٍ في مجتمعنا للأسف، تجعلنا نفكّرُ
جادّينَ بأثرِها المستقبليّ على المضطّهَدين، وكيفَ يمكن أن تكون ردة فعلِهم
المستقبليّة على أفعالٍ تمسُّ ذاتهم؛ ربما هنا أتذكر قولَ طاغور:
"أفكار النساء صغيرة معوجة، وليس ذلك ذنبها، ألا ترى أقدام الصينيات صغيرة؟ فما
الذي صغره غير الضغط عليها منذ الصغر"؛ هذه المقولة، تحفزنا على البحث الدائم عن
أحداثٍ وممارساتٍ سلبيّة تحدثُ في مجتمعنا، تضغطُ، وتضغطُ أكثرَ، لنجدَ فجأة أننا
غير قادرين على التحكّم بردّة الفعل السلبيّة الناتجة عن هذه الفئة المقموعة،
المسلوب جهدها، وأملها. الضغط الدائم، والعنف المستمر، والاضطهاد، والتمييز، سينتج
لنا عقولاً صغيرةً للمضطَّهَدينَ، تشبِه إلى حدٍّ بعيدٍ أقدامَ الصينيات الصغيرة!
مرّة أخرى، سأقتبسُ من طاغور:
"إذا أخطأ رجلٌ يقولون: ما أحمقه، وإذا أخطأت امرأة يقولون: ما أحمق النساء"!! |