الرئيسيةشعرسردمقالاتقصص أطفال

 

 

 

أليس عذاباً أن تكوني امرأة؟

 

* غلاف، بنات الرياض، 2005

-1-
في حوارٍ مع د. عبدالله الغذامي عبر قناة الحرّة الفضائية، تحدّث الغذامي عن "السعوديّة" كمصطلح، وعن النسق المحافظ الذي يدخل في حربٍ خفيّة (أو علنيّة) مع كلِّ فعلٍ تغييري لمنظومتِه. وبهذا الفهم يستطيع القارئ أن يهدأ كثيراً حينَ يتابع الآراء المتلاحقة حولَ رواية بنات الرياض للكاتبة السعودية رجاء الصانع.
المقالات والنقاشات المفتوحة عبر منتديات حواريّة، تصب أغلبها في رفضِ مضمون الرواية، بل هناكَ من طالب الروائيّة السعودية "إعلان براءتها" من عملها الروائي الأول.. لأنّ هذا العمل كما يزعم الدكتور عبد الرحمن العشماوي، "خطيئة أدبيّة وهي عمل ضعيف لغةً وأسلوباً" أو قول آخرين إن العمل هو عبارة عن سيرة ذاتية، متجاهلين خصوصية السيرة الذاتية وانفصالها عن الرواية، لأنها ترتكز في بنيتها على ذات المؤلف نفسه، وعلى كشف أبعادها وخفاياها، وبلا شك فكل نتاج كتابي هو واقع تحت مظلّة السيرة الذاتية، لأنها عبارة عن تفاعل بين الذات الكاتبة وبين المجتمع المحيط، لكن الرواية أو الشعر، كأجناس كتابيّة مستقلّة لها خصوصيّتها التي تجعل من كاتبها محلّقاً، ومبتعداً عن الشرط الأخلاقي.. الذي يعتبر مركزاً في كتابة سيرته الذاتية. وأقصد بالشرط الأخلاقي (الصدق في نقل الأحداث من ذاكرته، لأن الكاتب هنا، يتحوّل من فرد في مجتمع، إلى منظومة أخلاقيّة كاملة، يتم تدوينها داخل كتاب).

 

-2-
قرأت الرواية، ولم تلمسها يدي حتى الآن، فقد تكبَّدت صديقتي عناء نسخ الرواية وإرسالها على بريدي الإلكتروني، تباعاً، فكنتُ أنا قارئ البريد الإلكتروني من صديقتي، أشْبِه القارئ المتخيّل الذي وضعته الكاتبة في رأسها حين اختارت تكنيك المراسلات الإلكترونية لعرض الحدث.
ما أودُّ أن أقوله كذلك في تعليقي على الرواية أنّ "تجاهل" الشكل الخارجي للرواية، يجعلنا نقف أمام رواية عاديّة جداً، أو أقل من عاديّة، تتحدَّث عن هموم أربع فتيات يعشْنَ في عاصمةِ إحدى دول الشرق الأوسط، وتأخذُ (السّاردة) دورها الطبيعي في نظم وترتيب الأحداث التي ستعرض على المتلقي، لذا فأعتقد أن الشخصية المركزية في الرواية هي شخصيّة (السّاردة) التي تتحدَّثْ مع جمهور افتراضي، يجلسُ خلفَ شاشة الكمبيوتر ويستعدُّ لاستقبال رسائل إلكترونية، وأحياناً يؤثِّر في مجرى الرواية. الجمعُ بين الرسائل، والمداخلات من القارئ الوهمي (أحد شخصيات الرواية) يشكِّلُ جسد النص.
لكن غير العادي في الرواية، هو أنَّ هذه الشخصية المركزية (السّاردة) تطلب ممن "يجد في نفسه الجرأة الكافية لقراءة الحقيقة عارية على صفحات الإنترنت، والمثابرة المطلوبة للحصول على تلك الحقيقة، مع الصبر اللازم لمسايرتـ(ها) في هذه التجربة المجنونة". تطلب منهم قراءة رسائلها (روايتها)، علها "تقدح الزناد، فينطلق التغيير"... لكن الرواية قد تمَّت طباعتها، وتحوّلت إلى ورق، والقارئ العادي الذي يستقبل الحقيقة العارية، لم (ولن) يستقبلها عبر صفحات الإنترنت، بل عبر صفحات الرواية المطبوعة عن طريق دار الساقي، إذن فاللعبة المجنونة التي أرادتها الكاتبة، هي تحويل الكتاب الورقي بين أيدي القرّاء، إلى جهاز كمبيوتر موصول بشبكةِ الإنترنت. ناقلة عبره ما يحدث داخل المنتديات، وداخل المجموعات البريدية.
خمسون رسالة، تشكل رواية واحدة يمكن اختصارها بسطرٍ من الرواية نفسها كالتالي: "مجرد تأريخ لجنون فتاة في بداية العشرينات". وهنا يمكن القول إن الأماكن، والشخصيات، ومكالمات الهاتف، وحفلات الزفاف، كلها مجرد وهم داخل عقل فتاة "مأزومَةٍ نفسيّاً"، وتعاني من عزلةٍ قاسية فقررت الذهاب إلى الإنترنت لإرسال رسالة إلكترونية لمجموعةٍ بريدية ما، هذه الرسالة تتطوَّر من خلال ردود الفعل المكتوبة حولَها. فتبدأُ بنظمِ كذبتها جيّداً، وتخلقُ أربع فتيات تتطوّر قصّتهنّ على لسانِ الفتاة المجهولة (=الساردة)، وفي النهاية (أو في البداية) تعترف السّاردة، أو محدّثتنا؛ موا، بأنَّ الرواية (مجموع الأحداث والتراكمات النفسيّة) "مجرد تأريخ لجنون فتاة". بالتالي، فالرواية تهدِمُ نفسها بنفسِها لأنّها مبنيّة على تأريخ لجنون فتاة!
طبعا هنا فرق بين بنية ومحمول الجملتين التاليتين:
مجرّد تأريخ لجنون فتاة.
مجرّد تأريخ لفتاةٍ مجنونة.
فالجملة الثانية تحيل إلى فتاةٍ فقدت قدرتها على الإدراك، ولا تقبل شهادتها!!. أما الجملة الأولى المأخوذة من متن الرواية، والتي أعتقد أنها المركز في بنية الرواية، فهي تحيل إلى لحظة ذروة، أو قمّة أزمة نفسية مرت بها الفتاة مجهولة الهوية. وقررت بعدها أن تخوض في إرسال الرسائل.

 

-3-
عنوان الرواية (بنات الرياض) إشكاليّ، لأنّه يعمِّمُ النماذج، فالقارئ الذي سينتهي من متن الرواية، سيصدمه العنوان، لأنّ لفظة "بنات" الدالة على الفتيات الأربعة داخل المتن، نكرة، والتنكير يفيد التعميم، وكذلك فهي تأخذُ معناها من خلال إضافتها إلى معرفة، الرياض.
هذا التعميم للنماذج داخل المتن، سيربك القارئ الذي يسكن داخل الرياض أولاً، ومن ثمّة سيربك القارئ السعودي... وهذه الصدمة ستخلقُ، دون أدنى شك، ردات فعلٍ سلبيّة تطالب بمنع الرواية، أو مصادرتها، أو اتهام الكاتبة بإفساد المجتمع، لأن الرواية بتعميمها قد تجاوزت الحدّ المسموح لدى المجتمع، أو النسق المحافظ.
لكن كقارئ بعيد عن السعوديّة، أستطيع خلقَ معادلتي الخاصة في فهم التعميم، فمن خلال متابعة الرواية وردود الفعل عليها، وجدتني أقرأُ العنوان كالتالي: (بنات الرياض المخمليات)، وإضافة الصفة هنا، لا تقدّم ولا تأخر، لأن قارئ متن الرواية سيتفاعل من خلال النص، مع هذه الطبقة التي أعرفُ الآن أنها تمثِّلُ ما بين 5% إلى 10% من بنات الرياض.

 

-4-
أي مقارنة بين روايتي بثينة العيسى، أو رواية ليلى الجهني، وبين (بنات الرياض)، وتحديداً في استخدام اللغة العاميّة، سيكشف مدى الهوّة والفشل الروائي لصاحبة بنات الرياض.
كانت الروائيّة الكويتية المبدعة قد اقتصرت على استخدام العاميّة الكويتية في الحوارات فقط، ثمّ يتم معادلة ذلك باللغة الشعرية العاليّة، وكأن روايتي بثينة، "ارتطام.." و"سعار" روايتان غير قابلتان للتجنيس، "رغم أن الكاتبة تسميهما رواية، إلا أنَّ للشعر نصيباً كبيراً فيها، يجعل من روايتيها تقتربان من "الرواية الشعرية"، وهي نوع حداثي كان إدوار خراط قد أشار إليه في كتابه "الكتابة عبر النوعية".
في حين أن رواية الفردوس اليباب، تذهب إلى الداخل، بلغة عالية أيضاً، ويتخللها مساحات حواريّة تصل إلى صفحة كاملة باللغة العاميّة المصريّة، لكنها تظل، إلى حدٍّ ما، محافظة على وصف الحراك الداخلي لفتاةٍ سعوديّة تحملُ جنينها غير الشرعي في بطنها، وتكتشفُ أنَّ صديقتها على وشك الارتباط بعشيقها، فيأتي الحوار متناغماً مع إطار الرواية وتقنيتها. حوار متخيّل بين صبا وشخوص الرواية.
فمثلاً، تقول صَبا في حوارها مع خالدة:
- خالدة، أليس عذاباً أن تكوني امرأة؟
- أحياناً يداهمني هذا الشعور عندما أحرم من أشياء تافهة فقط لأني امرأة.
صحيح أن السطر الثاني في الحوار منطقيّاً، يعود إلى خالدة، إلا أن قائلته هي صَبا نفسها. فالروائية استطاعت أن تحافظ على تماسك القصة الروائية، وعلى اللغة كذلك.
أما "بنات الرياض" فهي رواية مشوَّهة فنيّاً، حسنتها الوحيدة تكمن في إبداعها لتقنيّة الرسائل الإلكترونية لحمل السرد والدراما. أما المتن ففارغ.. ومسطّح، ولم يأتِ بجديد، إلا إذا كانَ الهدف من الرواية فضح العلاقات السريّة لمجموعة من بنات يعشن في الرياض، هنا أجادت الكاتب في رفد المكتبة العربية بـ"رواية فضيحة" لمجتمعٍ محافظ.
الرواية تريد أن تنقل علاقات النساء داخل مجتمعها، كيفَ تقضى الفتاة وقتها، فتسقط القصّة بسبب لغتها، إلى درجة كتابة رسالة كاملة بلغة عاميّة ومهشّمة إلى القارئ. أو حتى كتابة الانجليزي بحروفٍ عربيّة.. كأنَّ اللغة العربيّة تحتاج إلى هدم أكثر مما هي عليه! وحتى حين يكون السرد بلغة فصحى، فإن اللغة تكون بسيطة ولا تحمل جهد إبداعي يمكِّن القارئ من الشعور بلذّة القراءة. أعتقد أنَّ اللعبة المجنونة التي اختارتها الكاتبة لوصل مجتمع الانترنت الافتراضي، مع مجتمع الواقعي. لعبةٌ مجنونة وفاشلة.
المشكلة ليست في نقل كتابة الماسنجر البسيطة، أو ردود المنتديات إلى الكتاب الورقي، لكنّ الكيفيّة هي الأهم، فأعتقد أن كثيرين، من متابعي المنتديات الإلكترونية، كانوا بالقربِ يتأمَّلون كتاب "سيرة افتراضيّة" للشاعر والناقد السعودي حامد بن عقيل، وهو يتَشكَّل، ويشكِّل (حسب علمي) أول كتاب افتراضي، ليصل في النهاية إلى كتاب مطبوع صادر عن دار شرقيات. الفكرة دائما في استغلال إمكانيات المحيط والتعامل الأفضل معها، للوصول إلى منطقة مغايرة، ومختلفة.

 

نشر المقال في جريدة الوطن القطرية، الخميس: 8-12-2005

* * *

-----------------------

دفاتر - موقع شخصي لـ محمود ماضي