|

يرقص، الروح ترقص، الشجر
من حوله يرقص، كان يرى من بعيدٍ وجوهاً تقتربُ، ويسمع صوتاً يأمره بالرقص وإلا
فالوجوه ستأكله.
كان يرى ذلك، ويسمع، لكنه يرى نفسه الوحيد في أزقة المخيم أو في الحي النظيف
الموازي للمخيم الذي يسكنه، الوحيد الذي يرقص، الوحيد الذي يغمض عينيه ليرسم على
الجدران رموزاً لا يفهم معناها أحدٌ. فقط كان ينفذ أوامر الوجوه التي تتأمله من
بعيد.
سأل أمه ذات رقصة، عن الوجوه التي يراها، فأيقنت الأمُّ أن ولدها "ملطوش" فأسرَّت
في داخلها أن تعرضه على الشيخ.
كان يقف طويلاً حين يمرُّ خيط النمل، ويجلسُ على ركبتيه ليحدِّثَ النمل عن الوجوه
التي تسيرُ إليه ولا تقتربْ. لكنَّ النملَ ينتشرُ وينفرطُ الخيطُ الناظمُ لحركتِه
كلما اقترب "الملطوش" منه. الكتابة على الجدران، فيما بعد، دلّتْ على اندهاشِه
كثيراً من حركة النمل، فقد كان يعتقدُ أن حركة النمل العشوائية ما هي إلا رقصة
خاصّة تقدمها ملكة النملِ امتناناً له.
مرّة حملَ عن الأرضِ غلافَ مجلَّةٍ يظهر فيها أربعة رجالٍ بزي أسود، ويحملون أسلحةً
رشاشة، وينظرون بشزر إلى رجلٍ خامس زيه أحمر، عيناه مربوطتان جيداً ويداه مقيدتان
خلفَ ظهره. الغلاف الورقي تحوَّل إلى شاشة عرض، أخرج أحدهم سيفاً طويلاً وهمَّ
بقطعِ الرأسِ، إلا أنَّ الوجوه التي تحيطُ بالراقصِ "الملطوش" تقدمت لأول مرة،
والصوت صار أكثر وضوحاً وحزنا:
- "...واجتمع من العامة خلق لا يحصى عددهم، وضربه الجلاد ألف سوط، ولم يتأوه، بل
قال
للشرطي لما بلغ الستمائة: ادع لي عندك، فإن لك عندي نصيحة تعدل فتح القسطنطينية.
فقال له: قد قيل لي عنك أنك تقول هذا وأكثر منه، وليس إلى رفع الضرب عنك سبيل. ولما
فرغ من ضربه قطع أطرافه الأربعة. ثم جز رأسه، ثم أحرقت جثته. ولما صار رماداً ألقاه
في الدجلة، ونصب الرأس ببغداد على الجسر".
شدَّ رأسه بين يديه، وقال:
- من هذا؟!
تقدمت الوجوه.. ألقى الغلافَ ولعنَ اهتمامه بالمجلات الرخيصةِ الملقاةِ أرضاً، وصار
يهذي بكلامٍ لم يفهمه أحدٌ.. قيل بعد ذلك أنّه استمر في الرقص يومين كاملين ثمَّ
اختفى.. |