|
(1)
ربما، يجب أن أطرقَ نافذة الوطنِ أولاً، قبل الولوجِ في وضعي "كمثقف ومبدع" في
بلدي. الذي يتابع الأحداث الغرائبيّة بشكل مباشر، أو عبر وسائل الإعلام، والتي تحدث
في غزّةَ يشعرُ –أو هكذا أظنّ- أن الفلسطينيّ كأيقونةٍ أصبحَ مشروخاً. وليس بعيداً
عن غزّة، فالأحداث التي تجرى في شمال لبنان وتحديداً في محيط "مخيم نهر البارد
الفلسطينيّ" تعزّز أنّ الفلسطينيّ أصبحَ هاوياً لقتلِ ذاته، أو عنيفاً لدرجة بتر
أصابعه أو أصابع المحيطينَ به، وذلك تعزيزاً لوجودِه.
ليس الفلسطينيّ كائناً أسطوريّاً. وليس مختلفاً بالضرورة!
(2)
يخطر ببالي الآن، الكاريكاتور المجسّد لمعاناة الصحفيّ الفلسطيني، حيث خطّت "أميمة
جحا" صورةً لصحفي فلسطيني مبتورَ القدم، ويتعكّزُ على قلمه. حيث لم يبقَ لدي
الصحفيّ الفلسطيني سوى قلمه ليتعكّزَ عليه، فيما قلبه بات سجّادةً مهملةً يدوسها
أصحابُ القرار العسكريّ.
عمليات الاختطاف لم تقتصر على الفلسطيني.. بل توسّعت دائرةُ الاختطاف لتشملَ
الصحفيّ الأجنبيّ، ولا يزال الصحفيّ البريطاني "ألن جونسون" مغيباً في دهاليز غزّة،
لدى مجموعة مسلحة!
(3)
وفي ذات الوقت، تستمر القنابل الفلسطينيّة موجهاً لصدرِ الفلسطينيّ. وحين تتحدث عن
الإذاعات الفلسطينيّة، سيكون من المهم أن يتذكّر "الإنسان" تدمير إذاعة العمال،
وتهديد الموظفين في إذاعتي الحريّة والشباب. وكذلك إذاعة الأقصى، وكل واحدة من هذه
الإذاعات تتبعُ فصيلاً سياسياً مختلفاً..!
(صفر)
إذن فالوضع الفلسطينيّ الداخليّ المشتعل، وعمليات القصف والاغتيال الإسرائيلي
لقيادات الشعب الفلسطيني من جهةٍ أخرى، تهدّد الاستقرار في الشّارع الفلسطيني..
والأمنَ الذي يحتاجه الإنسان أولاً ليستمرّ في حياةٍ مستقرّةٍ، ليتمكنَ من الإنتاج،
ومن التصالح مع المحيط. وفي ظل هذا التوتر لا يمكن الحديث عن رضا متبادل بين
"الإنسان" وبين الوطن..
ويبدو أنّ المثقف لم يعد قادراً على إنتاج نصّه بعد أن دخلت موضوعات "الحجب" و"منع
الكتب" و"حرقها" ضمن مفردات حياته، وهذا ما حدث مثلاً مع كتاب "قول يا طير" الذي
يعرِضُ لقصصٍ من التراث الفلسطيني على يدّ حكومة حماس، أو ما حدث قبل ذلك من إعلانٍ
لوزير الثقافة في حركة حماس، عن رغبته في "إغلاق المراقص والملاهي في غزّة" والمضحك
في هذا الإعلان، أنّ غزّةَ لا يوجد فيها أي مرقصٍ أو ملهى ليليّ، أو حتى مسرح، أو
قاعة سينما!
لا يوجد مكتبات عامّة تلبي احتياجات القارئ، ولا يصل إلى غزّة من المطبوعات
العربيّة سوى عناوينها فقط. وكذلك، لا يوجد في فلسطين كلّها سوى ملحق ثقافي وحيد من
صفحتين عبر جريدة الأيام الفلسطينيّة يحرّره الشّاعر غسان زقطان يوم الثلاثاء من
كلّ أسبوع.
طبعاً، لا يمكن التحدث عن معارض للكتاب، لأنها من الترفِ الارستقراطي.. ولا يمكن
التحدث عن أمسياتٍ شعريّة أو جلسات حوارٍ ثقافي هادئ في ظل هذا الموت اليومي. موت
الفلسطيني على يد الفلسطيني، وموت الفلسطيني على يد جنود الاحتلال الإسرائيلي.
|