|
*
لوحة للتشكيلي العراقي خليف محمود
لو
تركتُكَ تفعل...
القبلَةُ التي تريدها، مسمومَة، يجب أن تؤمنَ بخبرتي التي تمنعكَ الآن، واعلمْ أنني
أريدُكَ أكثر مما ترغبني، وأنَّ وجهَكَ قد غطى كلَّ التفاصيل المحيطَةِ بي، كذلك
فجسدي يرتعشُ لحظَةَ تذكُّري لكَ. أقصد أنا محمومَة بكَ دوماً، فأنتَ في البالِ
دائماً. لكنني سأمنعُكَ..
أجسُّ نبضيَ الآن، لا أرتَبك من تقاربِ النبضاتِ، ومن نُطْقِها اسمكَ.. لكنني
سأمنعُكَ..
لو تركتُكَ تفعل، ستصبِحُ عبدي، وأنا أرغَبُكَ سيّداً حرّاً، يليقُ بسيّدَةٍ
حرَّةٍ.
الرجالُ السّابِقون قد أعطيتُ كلَّ واحدٍ منهم قبلَةً أولى، أحدهم أخذَ يدي
وقبَّلها، وأخذَ يمصُّها ويلعبُ بلسانِه فوقَ جلديَ النّاعِمَ، صحيح أنَّه أوصلني
لرجْفَةٍ لذيذَةٍ حينها، لكنَّ عينيه الحالِمتين، وجسدَه الغائبَ عن الوعي،
وانغِماسِه في تقبيلِ باطِنِ يدي، أيقظني.
أربَكتني أناتُه، وحينَ غاصَتْ يدّه تحتَ قميصي، تركتُ له جسديَ ليفعَلَ فيهِ ما
يرغب. كنتُ أربِطُ بينَ صوتِه المحموم، والنخْلَةِ المنقوشَةِ بعنْفٍ داخِلَ
الجدارِ المقابل، وكيفَ جاءَت الخطوطُ متكَسِّرة، ومتداخِلَة بعنفٍ كأنَّ سجيناً
يقضى حكماً بالإعدامِ هو من نفَّذَ هذا النقشَ الحادَّ. لا أفهَمُ السِّرَّ الذي
يجعَلُه يغوصُ أكثَرَ بيدِه بينَ نهديَّ الطريينِ، أنا أرغَبُ بهِ أيضاً وأتفهَّمُ
عطَشَهُ الأزليَّ، وكذا عطشي، لكنَّهُ لم ينْتَبِه للستارَةِ المفتوحَةِ. هناكَ
فوقَ شجرَةِ الكينيا الضخمة، أرى طائراً يقفُ بخشوعٍ فوقَ أحدِ الأغصانِ، وكأنَّهُ
ينظرُ نحويَ، وهذا الذي باتتْ شفتاهُ فوقَ سرَّتي، لم ينتَبِه لعينيْ الطائر، ولا
حتى لخجليَ من وقفَتِه الجامِدة، وصرتُ أكثرَ اقتناعاً بأنَّ الطائرَ يراقِبُني.
ويهزُّ ريشَه لي!
صحيح أنَّهُ خلعَ ملابِسه، ومزَّقَ ملابسيَ، وصارَ يهذي بكلامٍ لم أفْهَم شيئاً
منْهُ، لكنَّ السقفَ كذلكَ كانتْ بِه شقوق توحي بأنَّ الغرفَة آيلةٌ للسقوط. لا
شكَّ أن الغرفةَ كانت مدهونَة بلونٍ أبيضَ أنيق، منذ سنين خلت، لكنَّها الآن غائبَة
عن الوعي، وتفكِّرُ جادَّة في وضْعِ إعلانٍ تطْلُبُ فيهِ يداً تعيدُ لَها أبيضها
الذي فركَهُ الزّمانُ فصارَ رماديّا أو ربما أسود، فالغرفَةُ أيضاً لها روح،
وتحتاجُ إلى من يزيل الغبارَ عن مفرداتِها المكدَّسِة فيها، الشّقوقُ التي ترعى في
السّقفِ تعلِنُ، كما أظن، عن رفضِها لهذا التجاهل.
يغرسُ المحمومُ لحمَهُ
داخِلَ لحميَ. أستفزِّه حينَ أغرزُ ظفريَ في لحمِ ظهرهِ، فيموجُ كثورٍ جائعٍ،
وكشراعٍ وسطَ العواصِف، يحرِّكُ جسدَه فوقَ موجيَ الناعِمَ، والهادئ!
يضغَطُ على رقبتي، أميلُ برأسيَ فأرى رفَّ الكتبِ في زاويةِ الغرفَة، وككلِّ شيء في
غرفتِه، الكتبُ مهملة، ويتيمَة، وترزَحُ في حصارٍ أبديٍّ منذُ أن وضِعَتْ في
سجنِها.
يلهَثُ، يضعُ شفتَه فوقَ شفتي، الأبلَه يبحَثُ بلسانِه عن لسانيَ داخِلَ تجويفِ
فميَ، تدهِشني الفكرة، فيما النحلَةُ ترقُصُ خارِجَ اللوحَةِ الآن، اللوحةُ
الوحيدةُ فوقَ جدرانِ غرفَتِه والتي اقتَصرَ الرسّامُ على تصويرِ سرب زهورٍ بيضاء،
في حقلٍ أخضر، ونحلةٍ وحيدة وحائرة، كأنها تسألُ نفسَها، إلى أيِّ الزّهورِ أذهب؟!
باقي الجدران، ملأى بخربشاتٍ وثقوبٍ تعكِسُ لحظات ملله المتواصِلة، أتوقَّعُ أنَّ
كلَّ خطٍ يُؤَرِّخُ لموقِفٍ سَابِق، أو ربما لسيدَةٍ سبقتني إلى هذا السّرير
الحداثيّ، كما قالَ لي قبلَ دخولِيَ بيت شعرِه المقدَّس!
الآن وأنا أتذكّرُ هذا، أقولُ لكَ
أكرَهُ هؤلاءِ الرِّجالْ. غير المهتمّينَ بمسحِ أحذيتهم حينَ يتحدَّثونَ معي.
ولا أريدُكَ أن تفعل.. |