الرئيسيةشعرسردمقالاتقصص أطفال

 

 

مـدن

 

* فوتوغرافيا، شخصيّة، تصوير زهران القاسمي

مسقط..،
تلكَ الجنيَّةُ التي تخرجُ من تحت ظلالِها غارقاً بأحلامِكَ الطفوليّة، ومبللاً بذاكرةٍ لن تكونَ بعدها كما كنتَ قبلها.. ها أنت تعرفُ جيداً أنَّ مسقط عتبةٌ أخرى تكشِفُ لكَ نفسَك أمامكْ. تحاولُ الخلاص من سطوةِ هدوئها المختلف، ومن مفرداتها الأنيقة، وكائناتِها النورانيّة، وفيما أنتَ تستعدُّ لانتزاعِ شوكةَ الذاكرة من لحمِ الليلِ، تندفعُ مسقط مرّة أخرى إلى عقلكَ.. تصمتْ!
امرأة، يدثرها المرمر والبهاء، تحملُ كلامَها الليليّ لتشرقَ غامرة المساحة بالحنين، أشتاقها الآن، أشتاقُها بعد قليل، أذوبُ في تفاصيلها قبل قليل، وأتذكّرُ حضورَها الليليّ بصوتٍ تحمله عصافير الليل إلى غرفتي العلويّة.
قلتُ لها:
"استطعتم منذ آلاف السنين ترويض الجبال، وجعلتم الماءَ يسيرُ في الأفلاج داخل الأرضِ وفوقها، استطعتم من خلال فعلكم الهندسيّ نثرَ المياه على جسدِ الصّحراء، وترويضَ الصّمت. فاشتعلَ العطرُ والبخور في الجهات، جميعها.
لكنّكم، وبيدٍ مرهقةٍ قد صنعتم أفلاجاً للمشاعر، فباتت كلماتكم مركزة، ومحددة الاتجاه!"

 

رفح..،
مدينتي البعيدة، حيث تجلسُ المرأةُ الأكثر بعداً.. قربَ الله، وأبعدُ قليلاً، ترتِّبُ قصائدَها، وكلمات أغنياتها، فتستيقظُ ليلاً، لتبدأ بنحتِ مشاعرها. وكنتُ مرآتها. وكانت تغزلُ قميصاً لطفلٍ سيأتي من أحلامِنا. وسرقتْ ذات ليلةٍ سجائرَ والدها وصنعت ثقوباً في جسد القميص بجمرةِ السيجارة. فاستيقظتُ محموماً.
وبدأتْ بالضّحكْ.
لم أفهم ما الذي يدفعها لذلك. لكنّه العبث ربّها المقدّس. والفوضى أيقونتها الصافية.
واستمرت بالضحك.
فهربتُ إلى نفسي، وتدثرتُ بالعراء.

 

مطرح..،
الأنيقةُ التي بدأت بالحديث منذ دهرٍ، حملت كلامها إلى راعي السّماء. ورسمت دوائرَ كثيرة في الدروب التي احتضنت قدمها.. وكانت تعرفُ فيما سيأتي من أيّام، أنّ كلمةً خرجت منها ستتشكل كائناً، الكائنُ سيرسمُ بجسدِه دوائرَ إضافيَّة لدوائرها
إلى ذلك الحين، كانت هي تتقدّم مسرعةً إلى قدرها
وكان يتقدَّمُ مسرعا إلى المنعطف الأخير ليمنحها روحه، كي تستمرَّ في رسم دوائرها.
قالت عرّافةٌ كانت تتأمل المشهد من بعيد: إنّه وُلِدَ منها في شهر الصيف، وقدره أن يبقى معلّقاً فيها، قال إنّ بلادها بلادُ سحرٍ، وقد سحرته بصوتها، وحنينها، ورغبتها التي تغوص عميقاً ولا تصعد للسطح.
وقالت أيضاً: أنّه حين رسم دائرته الأولى، كانت يدها تمسك يده لتدله على طريقة الرسم الصحيحة. لكنه حين نظر بدقة إلى يده لم يلحظ إلا هالة نور.
وهكذا كان..
تلصص عليها ذات مرةٍ، رأي شعرها البنيّ، وطرف رقبتها، وحين أخبرها بذلك رأي في عينيها بللاً ورغبةً ما!
لكنّ كتم نظره فيما بعد، لأن العرافة قالت: أنه لن ينجو منها.. أبداً.

 

القاهرة..،
القلقُ الذي تنثرُه الأنيقَةُ، أصله العلاقة المرتبكة بينها وبين المستقبل. وهي التي تقف الآن وسطَ واحةٍ تمتدُّ.. وتفردُ مساحاتها في كلّ الاتجاهات، واحةٍ تنبعُ من الأحلام وتشتبكُ مع الواقع.
القلقُ يشتدُّ ويغرقها. هي لا تعرف إن كانت ما تزالُ طفلَةً وأن هذا الواقع مجرَّد أحلام طفولةٍ نقيَّة. أم أنَّها ما تزالُ تحلُمُ وأن ما تعيشه هو المستقبل بكلّ ما فيه من تحدِّيات.
إذن، هل هي مقتنعة أنها تعيش الواقع أم أنها تعيش المستقبل. والسؤال الأكثر حدِّة. عندما كانت طفلة ترقصُ الدهشةُ حولَها، هل كانت تتوقَّعُ هذا المستقبل الذي تعيشه الآن!

خان يونس..،
لماذا تهربُ السيّدة مني. كنتُ ومازلتُ أعتقد أنّ التحامَ الجسدين يحتاجُ إلى رشّة عطرٍ خفيفةٍ خلف الأذن. وضحكة وتمنّع لذيذ.
لكنّها غادرت الغرفة وعطرها مازال يشعل الغرفة.
ويهتكُ مفاصلي!

 

الإسكندريّة..،
دعيني أخبِرُكِ عن البحر الذي نفضَ الموتَ، واستقال بصمْتٍ، وانسحبْ
هذا الغريبُ الذي أطلَّ على البيْتِ قال: "النومُ إدهاشٌ للحواس"
وقيل: أنه بدأ بإحراق الذكرى، وانتصب أمامَ البحْرِ عارياً، مختلطاً به، وبالرملِ حيث الخشونة تقتل ما فيه من انسياب.. بدأ بالقفزِ.. سقطَ وعرف أن اليومَ لن يصافِحه. والبحرَ لن يصافحه. والسماءَ سترقصُ.. وتهرب.
الغيم قال: "إنه ذاهِبٌ إلى الماوراء.."
هو ظلَّ وحيداً.. شاحِباً أمام البحرِ الذي يسحب نفسه، ويبتعد.
وأرسلَ لها زاجِلاً، حامِلاً عطرَه، لكنه سقطَ، وهي انتظرتْ، وأخبرها عن بعْدٍ أنه سقطْ، وعَرِفَ أنها ستفهم!

------

* قد يصادف القارئ، فقرات كاملة في هذا النص، موجودة أصلاً في نصوص أخرى، وهذا التكرار أولاً لا يعوّل عليه، وثانياً هو من وراء القصد..

* * *

-----------------------

دفاتر - موقع شخصي لـ محمود ماضي