الرئيسيةشعرسردمقالاتقصص أطفال

 

 

شَرخ طولِيْ

 

"كل الخطوط مشغولة، حاول الاتصال فيما بعد، هذه رسالة مسجّلة"
حاولتُ كثيراً الاتصال فيما بعد، حاولت ليلاً، نهاراً، قبل أن أخرجَ من البيت، وبعد انتهائي من زيارة خالتي، وفي طريقي إلى بيتِ عمّتي حاولتُ مرّتين، ونفس المرأة تخرجُ عليّ دائماً، بصوتها الفاحش وجملتها الأبديّة:
حاول الاتصال فيما بعد، حاول الاتصال فيما بعد، حاول الاتصال، حاول الاتصال فيما بعد، فيما بعد حاول الاتصال، حاول، حاول، حاول، حاول الاتصال فيما بعد أيها الغـ..!
وأنا أسمعُ كلامها، وأستمرُّ في محاولاتي اليائسة.
حتى فقدتُ قدرتي على التركيز، وتلاشى صوتُ تلكَ المرأة، فخرجَ عليّ صوتٌ ذكوريّ إذاعي، يقول:
"إن الهاتف السيّار الذي... خارج التغطية"
ومن ثمَّة، صارت جميعُ شركات الاتصال الخلويّة تخرجُ عليّ تباعاً.. تعيد الاسطوانة المشروخة نفسها، "جوال مرحبا، لا يمكن الوصول إلى الرقم المطلوب حالياً، حاول الاتصال فيما بعد!"

قلتُ أتأكدُ من الرقم، لا أريد أن أتصل بالرقم المخزّن في ذاكرة الجوال، سأتصل بالرقم مستعيناً بذاكرتي، ضغطت الأرقام تباعاً، لكن دون جدوى: هناك امرأة تقفُ لي بالمرصاد، لتطالبني بالمحاولة مرّة أخرى!
قلتُ لنفسي، ربما أتصلُ على رقمٍ آخر، هذا يحدث، ويحدث كثيراً، فمرّة وبينما كنتُ أضغطُ أزرار الهاتف، رقماً رقماً، واثقاً كلَّ الثقة من رقم أختي، أذهلني الصوتُ في الجهة الأخرى من المكالمة، لم يكن صوت أختي، هو صوت أنثى، يبدو أنها جميلة، ويبدو أنها شقراء أيضاً، لا أعرف كيفَ تخيلتها شقراء، لا يهم الآن، المهم أنني وحينَ راجعتُ الرقم مرّة أخرى، وجدت أنني أخطأتُ في الرقم الأخير، واضعاً بدل الرقم (4) جاره الرقم (5) ومن بعدها صرتُ أخطئُ حينَ أتّصلُ بأختي، كي أرى وجه الشقراء، آه!، لم تكن شقراء، ربما كانت جميلة فقط، ربما لم تكن جميلة بتاتاً، المهم أنني كنتُ أخطئ أحياناً.
ربما يعود السبب للنظارة التي ألبسها، فالعدسة اليسرى مشروخة، وحين أغمضُ عيني اليمنى أرى الكونَ بكائناتِه وقد شقّهم خطُّ طوليّ متعرّج، وهذا، كما قال صديقي لي ذات مرّة، سيسبِّبُ لي ضعفاً في النظر، لكن لا يهم الآن، المهم أنني كلما اتصلتُ بها فاجأني صوتُ امرأةٍ مسجّل يخبرُني بضرورة إعادة المحاولة. لن أكتب الرقم من ذاكرتي ولن أستحضر الرقم من ذاكرة الجوّال، سأذهب إلى دفتر المحاضرات، وللمصادفة فرقمها مدوّن على دفتر لمساق: مهارات اتصال شفهي، يا ليتني أستطيعُ الاتصال الشفهي معها، فأنا منذُ كثير أرغبُ أن يلمسَ هواءُ زفيرها وجهي، كنتُ أحلمُ ذات مرّة بـ... يووه! دائما أخرج عن الموضوع، سأنقلُ إلى شاشة الجوال نفس الرقم المكتوب على غلاف دفتري، وسأنتبهُ جيداً أنَّ الخطَّ الطولي المتعرّج الذي تسبِّبه عيني اليسرى مختفٍ مؤقتاً، وسأضغطُ على إشارة الاتصال...
صمت، خرخشة بسيطة، صمت............ هدوء قاتل، خرخشة، وااااااااااااااع، جميع الخطوط مشغولة، حاول الاتصال فيما بعد.
أيتها الحقيرة، ملعونة هذه الاتصالات، كيف لي أن أقتنع الآن بجدوى المسافة، ملعونة كل الاتصالات غير المباشرة، كيف سأفعل الآن وقد أهلكني صوت الاسطوانة المسجّلة، كيف سأرضى لهذا الجسد أن يستَمرَّ باحتمال البعد أكثر، ملعونة وحقيرة هذه المسافة.

منذ أن عرفتها، وفي كل أوقاتي لم أتخيّل المسافة، ولم أشعر بقسوتها، أنا أكذب الآن، كنتُ أشعر بقسوة وسطوة المسافة أحياناً، خصوصاً حينَ تجتاحني رغبةٌ عارمة للبكاء، وحينَ كنتُ أبحثُ عن يدٍ تشاركني رسمَ لوحةٍ فوقَ هواء الغرفة، كنت أشعر بمدى قسوة الزمن كذلك، لكن وبالمناسبة ماذا تعني كلمة عارمة، هل هذا يعني أنني حينَ أقابلها سأبكي على صدرها، سخيفة هذه الفكرة. ولماذا أبكى، لماذا يكون اللقاء مغلَّفاً بالحزن.. ماذا تعني كلمة عارمة، وكم حجمها! لعن الله لسان العرب، ومنجده كذلك، مالي أنا واللغة الآن، أريد أن أقول أنني كنتُ أشتاق لها، وفي تلك اللحظات كانت المسافة تغتالني، وتقطّعني، وتنثرني في كلِّ الجهات. لكن هذه المرّة، وبينما أحاول الاتصال بها، ويخرجُ عليَّ دائما صوتٌ يطالبني بتكرار المحاولة، الآن، وفي هذه اللحظة لم أعد أشعر بشيء، لا شيء بالمطلق، حلقي أصبح يؤلمني، وقلبي قد انخفضَ مكانه بضع سنتيمترات، وعيني اليمنى أصابها شرخ هي الأخرى، ولا شيء أكثر، أصبحتُ بعينينِ مشروختين، وأصبحت الأشياء التي أراها مزدوجة ومشروخة. ولا شيء أكثر، فقط هو الصوت المنبعث من الجوال بقى ثابتاً، ومتّزنا. حاول الاتصال فيما بعد، حاول الاتصال فيما بعد!

لن أتصل بها، تعبت، وأصابني صداع، لكن لماذا لم تصاب تلك السيدة الجالسة داخل الهاتف الجوال بالصداع، ولماذا لم يتغير صوتها، وبقى واثقاً ومتّزناً، كلّ البشر الذين أعرفهم يختفي صوتهم أحياناً، صحيح أنها ليست بشريّة مثلهم، لكن كلّ الأجهزة الكهربائية الموجودة في بيتنا أصيبت باختلاف الصوت، فالغسالة صار صوتها أخشن، وأقوى، وصارَ جارنا السّابع يسمع صوتها حينَ تتكدَّسُ ثيابنا فيها، والثلاجة أصيبت بحالة قلقٍ نفسيّ، وبات صوتها متقطِّعاً، وتزداد حدّته ليلاً، فنوبة الثلاجة النفسية تستمرُّ لخمسِ دقائق ومن ثمّ تصمت ما يقارب نصف الساعة، وتعود مرّة ثانية بإصدار صوتٍ مبحوح، لمدّة خمس دقائق.. ماذا أيضاً، جرسُ الباب أصيبَ كذلك باختلافٍ في الصوت وصار مزاجيّاً جداً، وأذكر أنّ والدي ظلَّ نصف ساعة يرن الجرس ويضرب الباب بيده وقدمه ونحن نيام، وحين ذهبت أختي الصغيرة لتفتح له الباب، كاد يضربها لولا أنّه تذكر مزاجيّة الجرس، فغفر لنا جميعاً.. ماذا أيضاً؟ لا يهم، المهم لماذا يبقى صوت تلك السيدة كما هو منذ أن حشره المهندس في قلبِ الهاتف الجوال، لماذا؟!!

ماذا يحدث لو أنّ تلكَ السيدة التي تطالبني بإعادة الاتصال شعرتْ بالملل، وقررت مغادرة الهاتف، حينها لن تطالبني بإعادة الاتصال مرّة أخرى، لكني أعرفُ جيداً أنها لن تخرج، فهي لا تشعر بضيقِ المكان، ولا تشعر بأنها أسيرة، إذن سأخرجها بالقوة، سخيفة هذه الفكرة، كيف سأعرفُ مكانها وهي صغيرة جداً، يقال أنَّ حجمها يعادلُ حجمَ حبَّة الرمل، ومرة سمعت من أحدهم أنها ليست بشرية بل الكترونية، ولم أفهم حتى الآن ما لون جلدها الالكتروني.. لا يهم لن تخرج من هاتفي، وستبقى لعنةً أزليَّةً فيه، ولن أستطيع إخراجها لأني لا أعرف الزاوية التي تقيم فيها..! فقط سأحاول الاتصال علَّ أحداً يردُّ على ندائي ذات محاولة.

إحدى القنوات الفضائية كانت تعرضُ مسرحية، وفي المشهدِ الأخير يتبادل الممثلون الأدوار للدعاء إلى الله، ليكفِّرَ لهم ذنوبهم، كنتُ أمسكُ بالجوال وأحاول الاتصال مرّة أخرى، نزولاً عندَ رغبة تلكَ السيدة المحشورة في الهاتف الجوال، وإذ بي أقفُ لآخذَ مكانَ أحد الممثلين وأدعو الله أن يغفرَ لي أخطائي جميعها، أنا لا أريد ماءً، ولا سيارةً تأخذني من الصحراء لأصل إلى البيت، أريد أن أسمع صوتها، فقط أسمع صوتها وسأصلي الصلوات جميعها يا الله، أنا لا أختبرك يا ربي، فأنت أعلى وأسمى من ذلك، لكن هذا الرجل الذي يخبرني بأن هاتفها السيّار خارج التغطية، وتلك المرأة التي تطلبُ منى أن أعيد الاتصال قد أرهقاني، وأتعباني، حتى أنني أفكر بتحطيم الجوال الآن، لكن يا ربي هذا ليسَ جهازي وأنت تعرفُ ذلك، الجوال لأختي وأنا استعرته لأضع بطاقتي فيه، فكيف تقبل يا ربي أن أكسر جوال أختي، أعرف أن أختي لن تغفر لي، وأعرف أنّك لن تغفر لي كذلك، فأرجوك دعها ترد على مكالمتي.. أرجوك يا ربي.

* * *

-----------------------

دفاتر - موقع شخصي لـ محمود ماضي