الرئيسيةشعرسردمقالاتقصص أطفال

 

 

ذَاكِرةُ الغريبْ

 

* فوتوغرافيا، خيال المآتة، لـ Dariusz Klimczak

القلقُ الذي تنثرُه الأنيقَةُ، أصله العلاقة المرتبكة بينها وبين المستقبل. وهي التي تقف الآن وسطَ واحةٍ تمتدُّ.. وتفردُ مساحاتها في كلّ الاتجاهات، واحةٍ تنبعُ من الأحلام وتشتبكُ مع الواقع.
القلقُ يشتدُّ ويغرقها. هي لا تعرف إن كانت ما تزالُ طفلَةً وأن هذا الواقع مجرَّد أحلام طفولةٍ نقيَّة. أم أنَّها ما تزالُ تحلُمُ وأن ما تعيشه هو المستقبل بكلّ ما فيه من تحدِّيات.
إذن، هل هي مقتنعة أنها تعيش الواقع أم أنها تعيش المستقبل. والسؤال الأكثر حدِّة. عندما كانت طفلة ترقصُ الدهشةُ حولَها، هل كانت تتوقَّعُ هذا المستقبل الذي تعيشه الآن!

 

**
خفيفاً من ذاكرتِه. متحلِّلاً من كلّ ما ينمو على شفتيه من كلماتٍ، يغادرُ حصنها الأنيقَ وينثرُ بقايا روحه فوقَ المساءْ. ينهضُ حين يكتملُ حلمها ليغادر الوقتَ إلى وقتٍ آخر. وينسجُ قصيدته الأولى -غير خائفٍ- فوق جسدٍ آخر غير جسدها.
هو يعرفُ تماماً أنها الأصلُ. ويؤمنُ أنّها فعلت كثيراً لأجله -أو هكذا يعتقد- لكنه سيغادرها إلى امرأةٍ أخرى لينجو من جمالها ومن نقائها الأسطوري!

**
السجنُ بوابةُ التحرّر الذاتي.
الإنعتاق كسرٌ لأيقونة الأشياء..
الإنعتاق أسطرة لأشياء جديدة!

 

**
بعد مليون عامٍ من الآن..
سأحملُ موميائي إلى البحرِ لأرقص معها.
سأعيد الحياةَ إلى جثتي بالرقص.
بالرقص فقط!

 

**
لماذا تهربُ السيّدة مني. كنتُ ومازلتُ أعتقد أنّ التحامَ الجسدين يحتاجُ إلى رشّة عطرٍ خفيفةٍ خلف الأذن. وضحكة وتمنّع لذيذ.
لكنّها غادرت الغرفة وعطرها مازال يشعل الغرفة.
ويهتكُ مفاصلي!

 

**
دعيني أخبِرُكِ عن البحر الذي نفضَ الموتَ، واستقال بصمْتٍ، وانسحبْ
هذا الغريبُ الذي أطلَّ على البيْتِ قال: "النومُ إدهاشٌ للحواس"
وقيل: أنه بدأ بإحراق الذكرى، وانتصب أمامَ البحْرِ عارياً، مختلطاً به، وبالرملِ حيث الخشونة تقتل ما فيه من انسياب.. بدأ بالقفزِ.. سقطَ وعرف أن اليومَ لن يصافِحه. والبحرَ لن يصافحه. والسماءَ سترقصُ.. وتهرب.
الغيم قال: "إنه ذاهِبٌ إلى الماوراء.."
هو ظلَّ وحيداً.. شاحِباً أمام البحرِ الذي يسحب نفسه، ويبتعد.
وأرسلَ لها زاجِلاً، حامِلاً عطرَه، لكنه سقطَ، وهي انتظرتْ، وأخبرها عن بعْدٍ أنه سقطْ، وعَرِفَ أنها ستفهم!

 

**

الحلمُ دفتر الروح.
تدوِّن عليه ما يمنحها حياةً إضافيَّة

 

**
ما اسمُكِ..!
يهزُّ الوقتُ قلبَ المكان.
حين أعلنتِ عن غيابك القريب، وأخرجتِ تذكرةً تؤكدُ رغبةَ الطائرة بحملكِ "إلى هناك". ليس ثمَّةَ أحد يربتُ على كتفي، المارَّةُ تناثروا بعيداً. العربةُ الوحيدة التي صعدت الطريق إلى السماءِ كان عطركِ يُغْرِقُها..
الكتفُ عارية من يدكِ الناعمة، والبساتينُ تنمو حولَ سحابٍ بعيد.
ما اسمُكِ.. أيتها البعيدة
ما اسمُكِ!

 

**
فيما الخلايا ينضجها الحنينُ، والأغنيات تتمايلُ..
كنتُ ألتقطُ أنفاسَ القصائد من كلِّ زاويَةٍ أمرُّ عليها.
الوقتُ كانَ بدراً حينَ احتضنتُ غناءَ نفسي
هامساً ومنفرداً تماماً.
08-03-2006

**

على جانبيّ الطريق الطويلة، دائماً تُخرِجُ الأرضُ بئراً تمتصُّ المياهَ إلى الداخل، حتى إذا سارَ الغريبُ. ولم يستظلّ بشيءٍ سوى عطشه الأبديّ، مدَّت له الأرضُ ماءها الزلالَ. ومادت به.
على جانبيّ النفس العليلةِ، يحرثُ النومُ قلبَ المسافر إلى حيثُ لا يدري بأيِّ الجبالِ مثواه الأخير..
لذا؛ يكدِّسُ الغريبُ أيّامَه السابقة في جبّته التعبى. كأنّه يعرفُ الموتَ القادمَ إليه متمثّلاً وجهَ امرأةٍ أنيقةٍ. فيحثُّ المسافة كي تتقلَّص.

 

**
يدغْدغكَ الجمهورُ الراغبُ بالمزيد.
تحكي لهم قصَّةَ الفتاة التي أوصلت ضريراً إلى بيته، فظنَّ –الضريرُ- أنَّها تركته أمام بابِ الجنَّةِ لأن عطرها قد انفلت وهزمَ ظلامَ عينيه.
ستحكي غداً عن تفاصيل الظلام الدائم.
سيندهشُ الجمهورُ من معرفة الكفيف لون القميص الأزرق. ولون التراب الورديّ..
ستقول لهم:
- إنّ الضرير يشمُّ الألوان..
لكنهم لن يصدقوكَ، وسيقذفونك بالنكات، لتندحرَ إلى كهفِكَ حاملاً نظريَّة الروائح.. وحيداً ومخْلِصاً لذاتك.

 

**
قل لمرآتك،
أنا الأسيرُ
أنا السائرُ في عريّ المكانْ
و اسلخْ من وجهِها وجهَكْ!

قل لمرآتك،
أنا القلوبُ التي بلا قوسٍ يكسِّرها
"أنا الحاجبُ المحجوبُ"
و امسح عن وجْهِها وجهَكْ.

 

**
حين تختفي الذكريات..
حينَ تتشابك الذكريات..
ماذا يحدث؟!
أخافُ عليّ من ذاكرتها.

 

**
نولد..
ونبقى نبحث طول العمر عن حكايتنا الشخصية.
يظن الإنسان أحياناً أن حياته بتفاصيلها وتفاعلاتها وحراكها، هي الحكاية الشخصية التي تقطر عليه لحظة بلحظة، لكني أعتقد أن شعورنا بالمتعة لأننا نستغل اللحظة المعاشة، كل لحظة، يدفعنا تدريجياً إلى تلك اللحظة التي نقول فيها، "آه أنا أريد أن أخلِّدَ هذه اللحظة تحديداً".
أي أننا وجدنا اللحظة التي وصلنا خلالها إلى قمّة النشوة والمتعة.. ثمّ نسعى من خلالها لصوغ حكايتنا الشخصية المتفردة..
مثلاً.. هناك أشخاص –لنقل في العشرينات من أعمارهم- موقنون أنهم كتّاب ويسعون خلال حياتهم إلى تكريس إيمانهم وتطوير حقيقة الكاتب الذي يعيشُ داخلهم..
لكن آخرين يكتشون -وهم يتخطون الخمسين من أعمارهم- أنّ الوقتَ حان لوضعِ الرواية الأولى، أو المجموعة الشعرية الأولى، يكتشفون فجأة أن عمرَهم وحياتهم السابقة كانت مقدّمة لهذا القرار الإستثنائيْ.
لا يهم متى نكتشف حقيقتنا، لكن المهم أن نخلص لتلك الشعلة التي تنيرُ داخلنا، وتحثّنا على التمسك بحكايتنا الشخصية، متى تمّ اكتشافها.
02-04-2006

**

أعلمُ
أنَّ المطرَ يغسلُ ما يتركه الأصدقاءُ على جانبيّ النصّ اليوميّ،
أنّ الحياةَ تسيرُ أفقيّاً صوبَ غرفةٍ واحدةٍ وصامتة،
أنّ يدي تستطيع تفكيك "الكلاشنكوف" قطعةً قطعةً، دون أيّ التفاتةٍ من عيني،
أنّ قلبي كذلك، يعرفُ كيف يفكك هذا الوجودَ دون كللٍ أو ملل.
14-04-2006

**

معكِ..
أشاهدُ كيفَ يتطوّر لساني، وكيفَ يبدو ظليّ أنيقاً ويتبعني بصمتٍ أنيقْ.
كلّ الأشياء تحدثُ –معك- كمرَّةٍ أولى.. قبلةٌ أولى، لمسة أولى، خبرة أولى، نشوةٌ أولى، حنين فاحِشٌ لأوّل مرّة أيضاً. كذلك تأمّل العشّاق على جانبيّ الطرق، انتبهتُ له –لأول مرّة- حين كانت يدي تجوسُ في انسياب خصركِ.
تدريجيّاً..
كنتُ مندفعاً، وتأكلُ اللهفةُ أضلعي.. بخبرةٍ عاليَة، أو بسبب انشغالاتٍ تتكدَّسُ حولك، صرت تقصّين ريشَ لهفتي.
تدريجياً..
صرتُ قادراً على التحكم بلهفتي، هذا جيد، لكنني لن أغفره لك. كانت النارُ التي تبعثرني ألذُّ كثيراً من الصبرِ الذي يغلفني الآن.

 

**
الغرفة التي سنحملُها كذاكرةٍ متنقّلة، شهدت الكثير من المناكفات الصامتة، وتفاعلات حميميّة بين زجاجٍ، ورقصٍ، وريحٍ، ورعشةِ بردْ.
لكن الشّارع، هو ذاكرة موازية، سنحملها أيضاً أينما رحلنا، وفيه –أقصد الشّارع- سأبدو في قمّة التوتر، لأنّ روحَكِ، قادرة على تحويل كلّ المارّة إلى عشّاق!
15-04-2006

* * *

-----------------------

دفاتر - موقع شخصي لـ محمود ماضي